أسعد السحمراني
159
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
وعشق يتمثّل بالإفراط في التعلق بشيء خيّر ، أو بفعل سمته الخير ، وهذا العشق لا يرى مسكويه مانعا منه ، بل يقول إنه من الأفعال المحمودة ، وهذا يناقض فلسفته الأخلاقية لأن من كان عنده إفراط في شيء ، حتى لو كان فعل الخير ، فمعناها أن منهجه الإفراط في الأمر كله ، وهذا يعارض فضيلة الوسط ، ويهدّد قيم الفضيلة والخير التي لا تكون إلّا بالاعتدال والتوسط . نخلص من ذلك إلى اعتبار مسكويه أفضل أنواع المحبة تلك التي تكون بين أفراد تصح لهم تسمية الأخيار ، لأن محبة الأخيار لبعضهم « لا تكون للذة خارجة ولا لمنفعة ، بل للمناسبة الجوهرية بينهما ، وهي قصد الخير والتماس الفضيلة ، فإذا أحبّ أحدهم الآخر لهذه المناسبة لم يكن بينهم مخالفة ولا منازعة ، ونصح بعضهم بعضا وتلاقوا بالعدالة والتساوي في إرادة الخير » « 1 » . إن محبة الأخيار لبعضهم القائمة على الحكمة والفهم والعدالة هي خير لون من ألوان الصداقة ، لا بل أرقاها ، ولذلك فهي سبيل سعادة الإنسان لأن سعادة المرء لا تتحقق إلّا في محيطه وبالتعاون المتكافىء بين أشخاص منهجهم الأخلاقي الفضيلة والخير . لذلك فالسعيد عند مسكويه ليس من نجح في توفير ما يشبع غرائزه وشهواته من مأكول ومشروب ومنكوح ، وإنما السعيد هو « من اكتسب الأصدقاء واجتهد في بذل الخيرات لهم ليكتسب بهم ما لا يقدر أن يكتسبه بذاته فيلتذ بهم أيام حياته ويلتذّون أيضا به » « 2 » . ومن الموضوعات التي تطرّق لها مسكويه في فلسفته الأخلاقية « قضية الموت » حيث نرى بعض الناس يخاف الموت ، ويتعلّق بالدنيا وبشهواتها ، وهذا أمر سببه ضعف الإيمان وجهل الحقيقة . فكل الذين يسلكون السلوك المناقض للفضيلة من جبن ، وشحّ وغير ذلك هم جهلة ، ضعيفو الإيمان . أما
--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 144 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 155 .